09 September 2009

التربية وبناء العقلية العلمية - (وحدة التفكير وثقافة المستقبل)

تعتمد التربية الحقيقية على إكساب النشأ عادات فكرية أصيلة تحمل قيم مجتمعنا وتتوائم فى نفس الوقت مع متطلبات العصر، ولا يجب أن ننظر إلى مفهوم الأصالة على أنه الولاء للتراث أو التحدي للجديد، ولكنه مفهوم متجدد يحمل القيمة والخبرة التى تنبُع أساساً من الاستقلال الفكري الذي يدعو إلى البناء الخلاَّق ويستمد من هذا وذاك ويرفض هذا وذاك، تبعا لاقتناعه ومن خلال تفكيره وتجريبه فى واقعه الحي المعاش، كل هذا في إطار أبعد ما يكون عن أمية التفكير والاستعلاء والتعصب والعشوائية والببغاوية والفردية وكل المفردات الحادة التى تُعبر عن الجمود وتهدم كل بناء. فالعبرة بما يحقق الخير والتقدم لنا وللأجيال القادمة وبما يمكننا من معايشة العصر وتهيئة العدالة والحرية للمجتمع.

فيجب اليقين بأن منهج التفكير العلمي ليس حكرا على العلماء وحدهم، أو الكبار دون الصغار، فالمطلوب ليس تربية علماء صغار ولكن المراد هو توحيد الفكر والسعي نحو الهدف التربوي الأسمى وهو تربية النشأ على نبذ أساليب التفكير الخُرافي والتسلطي واللفظي وطبعهم على التفكير العلمي ومساعدتهم على تناول المسائل والمشكلات بوعي شامل استنادا إلى ضوابط وآليات علمية مجرَبة.

فالبيئة الثقافية التى ينشأ فيها الأطفال تؤثر بشكل كبير فى أساليب وأهداف ومستويات التفكير لديهم، فهي التى تزود الأطفال بالخبرات التى تُعد المَعين الأول للتفكير، وتُشكل أنواع الحوافز والمواقف المثيرة لتفكيرهم، ففي الوقت الذي يُعتبر فيه التفكير نشاطا ذهنيا إلا أنه يتحدد بالثقافة إلى حد كبير، حيث تبسُط الثقافة ظلها عليه، وعليه فإن الثقافة التى تغلب فيها قيم الخمول تُشيع تفكيرا تواكليا، والثقافة التى تسود فيها القيم السُلطوية تُشيع تفكيرا سُلطويا، والثقافة التى تَشيع فيها القيم اللفظية تُشيع تفكيرا لفظيا، والثقافة التى تَشيع فيها الخرافات تنشر تفكيرا خرافيا، بينما تُشيع الثقافة التى تغلب فيها القيم العملية تفكيرا علميا.

وما دمنا نريد لأبنائنا أن يفسروا الظواهر تفسيرا صحيحا، وأن يحلوا المسائل المتعلقة بحياتهم والمشكلات التى يواجهونها حلولا تراعي الأبعاد المستقبلية، فهذا يعنى أننا نريد لهم أن يفكروا بطريقة علمية.
وبالإضافة إلى ذلك نحن نريد لتفكيرهم أن يكون غير جُزافي، وأن يمضى هذا التفكير المنشود فى خطوات معتمدة على بعضها، وأن يكون هادفا، ودقيقا، ومرنا، وبعيدا عن الجمود وغير قائم على التعصب، وأن يكون واقعيا ... وهذه السمات هي خصائص للتفكير العلمي عموما.

ويرافق توجيه النشأ نحو التفكير العلمي ظواهر عدة أبرزها غرس اتجاهات لقبول نتائج الفكر العلمي، واتجاهات البحث عن الأسباب الحقيقية للظواهر وتنمية حب الاستطلاع فى جوانب الحياة ذات القيمة المرغوب فيها، وتعظيم الحوار وروح المبادرة وبناء الآراء استنادا إلى أدلة كافية.

No comments: