إن التغلغل المتزايد للتطبيقات العلمية والتكنولوجية فى حياتنا جعل العِلم يتصل اتصالا مباشرا بمشاكل حيوية ومصيرية مثل مشكلة التلوث والتزايد السكاني والأزمات الغذائية وكلها أمور تقع على الحدود التى تربط بين العلم والتكنولوجيا من جهة والقيم والثقافة من جهة أخرى. ومن هنا كان لِزاما علينا أن نسعى إلى تأصيل التفكير العلمي وبعث العقلية العلمية فى أفراد المجتمع والتى من خلالها ينتظم التفكير ويتوحد الهدف. فوحدة التفكير التى نلتمسها عند الشخص الواحد أو المجتمع الواحد هي الآلية التى تُكون حياة فكرية مُنسجمة قادرة على بناء واحتواء وتتواصل فيها العقلية العلمية للفرد، وهى خطوة على طريق بناء الشخصية الفريدة للمجتمع والتى تُميز كل أمة عن سائر الأمم. وهذه الحياة الفكرية لا تأتى إلا بالفكر الحر الذي يعلو فوق التسلُط ويناقش البديهيات والمسلَمات ولا يستسلم لها، فكر يعتمد على منهجيته العلمية ليصل إلى النتائج الحقيقية.
وإذا أردنا مناقشة بناء العقلية العلمية في المجتمع فلا مفر من التطرق إلى موضوع "التخطيط"، فلا رجاء من طبع التفكير العلمي فى أسلوب حياتنا بدون أن نرسم الطريق الذي نصنع فيه مجتمعاتنا بفاعلية وتأثير، ونعيد صناعتها بما نصوغه من أساليب جديدة للحياة. إن بناء العقلية العلمية ليس هو الهدف فى حد ذاته ولكنه الطريق إلى الانتصار المعنوي والنفسي الذي يأتي عندما ننتقل من نقد الغير إلى نقد الذات لنتخلص من عيوبها التى تتجمع وتُشكل عيوبنا وعيوب المجتمع بأسره. وعندما يتحقق ذلك الانتصار تحدث النقلة الثقافية التى بغيرها لا تُجدي أى وحدة مجتمعية أو قومية أو حتى عولمة وانفتاح على العالم فى أى مجال من المجالات. فالنقلة الحضارية إلى المستقبل ليست مصادفة ولكنها رؤية رشيدة وخطة واعية.
فكل فرد فى هذا الوجود هو كثرة فى وحدة، والذي يربط الكثرة فى هذه الوحدة هو وحدة المقصد والتركيز على هدف واحد، وهذا الهدف هو الطابع المُميز لأى كيان قائم بذاته، يَصدُق هذا على الأفراد وعلى الأمم وعلى عصور التاريخ. وكما ذكرنا إن وحدة التفكير تتحقق بوحدة الهدف الذي لا سبيل لتحقيقه إلا عن طريق بناء العقلية العلمية لدى أفراد المجتمع واتباع الأسلوب العلمي فى إدارة شئون الحياة. فالذي يجعل من أى مجتمع أمة واحدة متكاملة ذات شخصية، هو وحدة الهدف وما يستتبعه بالضرورة من وحدة التفكير. ونحن هنا لا نعنى بالوحدة الجمود ولكن التوحد نحو أصول منهجية فى التفكير من خلال بناء العقلية العلمية للإنسان.
لقد عَرفت الحضارات السابقة والمجتمعات التقليدية ضروبا من "التخطيط" لم تكن تحمل هذه التسمية لأن التخطيط لم يكن جزءا من حياة الفرد ونظام المجتمع كما هو عليه الآن. وبعقد مقارنة سريعة بين الارتجال والاعتماد على الحدس الذين نجدهما فى كثير من المجتمعات غير المتقدمة، وبين ما نجده من اعتماد للتخطيط والتنظيم كنهج حياة وأسلوب عمل مدروس فى المجتمعات المتقدمة. نصل إلى نتيجة مفادها أن مبدأ التخطيط هو تطبيق مباشر لمفهوم "التفكير العلمي المنهجي" من أجل حل مشكلات المجتمع البشرى، فالتخطيط الاقتصادي والتخطيط الاجتماعي والتخطيط التربوي والعلمي كلها تعبيرات تدل على اعتراف المجتمع الحديث بأن الميادين الأساسية للنشاط الإنساني أصبح يتم توجيهها بطريقة علمية منظَمة بعد أن كانت تُترك لتنمو على نحو تلقائي، أو تخضع لتنظيمات مؤقتة تغيب عنها الصورة الشاملة للميدان بأكمله، فكل نجاح يحرزه التخطيط فى عالمنا المعاصر إنما هو نجاح للتفكير العلمي فى تدبير شئون الإنسان.
ولذلك يجب علينا أن نستمد المنهج العلمي الذي نطبقه فى شئون الحياة اليومية من قراءة الحياة والطبيعة قراءة مباشرة، بدلا من الاعتماد فقط على ما كتبه السلف، فإذا وجدنا أنفسنا أمام مشكلة اجتماعية أو اقتصادية أو كائنا ما كان نوعها، فالمنهج الصحيح هو أن نقابل تلك المشكلة فى واقعها الحي لننظر فى طريقة حلها.
No comments:
Post a Comment