من أهم خصائص المجتمع الحديث أن تسوده روح التفكير العلمي التى لا تهدف بأي حال من الأحوال الابتعاد عن الإيمان والدين ولكن تعني نبذ الخرافة والمعرفة الحدسية القائمة على الارتجال. ومن ناحية أخرى لا نستطيع أن نغفل التأثير الكبير للدين والقيم والمواقف الأيديولوجية فى تكوين العقلية السائدة فى المجتمعات وهل هى عقلية علمية أم أنها عقلية بدائية.
وتشهد العلاقة بين التفكير العلمى والدين تنافر "ظاهرى" يستقر فى العقل والفكر ولا وجود له فى أصل الدين ولا في منهج العلم، وهذا التنافر ينبُع من جمود الخطاب الدينى وانعزال المنهج العلمى عن معايشة الحياة اليومية. فبدلا من أن نعايش بين التقدم العلمي وبين معتقداتنا الدينية نحاول أن نطوع أحدهما للأخر، فلا تعارض بين إيمان الفرد بدين معين وانعكاس هذا الإيمان على أخلاقه وسلوكه الاجتماعي والإنساني وعلى شدة تحمسه للأخذ بأسباب العلم من حوله، وبين أن يفكر هذا الفرد ويخطط ويبحث بعقلية علمية عن حلول لمشاكله ويُطبق النتائج بمنهج علمي فى مختلف نواحي حياته.
فالمنهج الإسلامي يضع "الوحي" فى مقدمة مصادر المعرفة، كما يُنظم للعقل مجال وآفاق تحركه حتى لا يبدد طاقته فى عالم الغيب، فكل معرفة فى الإسلام لابد من التدليل عليها. إن الجفاف الروحي الذي يشكو منه الغرب الأن قد وصل إليه بإهماله معطيات الوحي، واعتماده على العقل وحده، بينما نجد المسلمين قد اعتراهم التخلف حين أهملوا دور العقل واعتبروا الكون وارتياد آفاقه للعبرة والاتعاظ فقط، وليس لاكتشاف النواميس والسنن الكونية وتسخيرها لخدمة النفس البشرية والمجتمع الإنساني. فنجد الكثير من حولنا يحاولون إثبات الحقائق الدينية والتدليل على صحتها بالفرضيات والنظريات العلمية القائمة حاليا، وهذا خطأ ينبعث من سوء فهم لمعنى العِلم، ذلك أن الحقائق العلمية نسبية وقابلة للتغيير والنقد، بل هي ليست حقائق بالمعنى الفلسفي ولكنها تُستخدم لتفسير الظواهر الموجودة إلى أن يظهر مزيد من تلك الظواهر تعجز تلك "الحقائق"عن تفسيره وعندها تُحور أو تُعدل أو تُنقض أساسا ويؤتى بغيرها. أما الحقائق الدينية فهي مطلقة تعتمد على الإيمان ولا تقبل الجدل أو البحث والتجريب وما ينشأ عنهما من تعديل وتطوير وتغيير.
إن تحرير العقل المُسلِم الذي فُرض عليه فى كثير من العصور التفكير الخرافي والانغلاق داخل قوالب مُهَيَّئة مسبقا أُعِدت لأوضاع ومواقف وأزمات مختلفة عن وضعه المعاصر، يتطلب من حَمَلة الفقه والدعاة استبعاد النظرة الجزئية للمنهج الإسلامي وعدم التشبث بالمنهج الاستنباطي وحده، ولكن في المقابل العمل على ربط هذا المنهج بمناهج التجريب والاستقراء. لقد أصبحت تلك النظرة الجزئية التى تُخالف المعرفة بالكليات تتحكم فى رؤية العقل المسلم لواقعه بل وأورثته العجز عن تحديد وتجديد أدواته وأسلحته، فأصبح الإنسان المسلم يتناول ويعالج معظم قضايا واقعه المعاصر من خلال أفكار وأحكام من سبقوه، وذلك بالقياس عليها أو التلفيق بينها، مما جعل الكثير من الحلول المفترض أنها تعالج مشاكله أصبحت تصطدم بالواقع وتنضم فى النهاية إلى قائمة مشاكله التي لا تنتهي.
وبصفة عامة يحدد الناس مواقفهم وتوجهاتهم من سائر القضايا فى الحياة من خلال التفكير والمعرفة والثقافة، ولن يتضح الطريق إلى التبديل الثقافي اتجاه الإسلام قبل أن تُحسم وتُحل الأزمة الفكرية لدى المسلمين. وإنه لأمر خطير أن تُوضع الجماهير المسلمة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستبداد الفكري والفقر ورفض الحضارة بدعوى صون الإسلام والغيرة على التراث، وإما الحرية والغنى والعدل فى ظل منهج غير إسلامي، كأن الإسلام عاجز عن الجمع بين الحسنيين. لقد جاءت الأديان لتُنظم "نفس" الإنسان وتمنحها "الاستقلال" و"الطمأنينة" فهذه مبادئ التوحيد الأولى، فلا خوف من مخلوق على الإطلاق. إن الإنسان صاحب العقلية البدائية يعيش فى قطيع يتملكه الرعب إن هو خرج عن عرف الجماعة، يعيش خائف من الآخرين لأنه خائف من نفسه لم يواجهها ولم يصارحها ويتصالح معها.
No comments:
Post a Comment