25 November 2015

مفهوم خبرة المستخدم .. وتساؤلات حول مستقبل التطبيقات والخدمات الإلكترونية!


استمدت التكنولوجيات الحديثة قوتها ونفوذها من خلال الدعم الذي يوفره لها المجتمع نتيجة لاستخدامها وتطويرها، فبنظرة سريعة ومتفحصة على حال إنسان هذا العصر نجد أنه أصبح غير قادر على التخلي عن دور تلك التكنولوجيات فى حياته، وإن كان لا يحب النتائج المترتبة على هذا الدور الذي يتزايد يوما بعد يوم.


وبالرغم من أن فضل تحرير الإنسان من قيود المكان والزمن يرجع إلى ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التى من أهم تطبيقاتها شبكة الإنترنت، إلا أن تلك التكنولوجيات والتطبيقات لاتزال تناضل من أجل الحفاظ على مكانتها والتأكيد على حضورها الكلى الوجودي فى حياتنا وعالمنا. فبغض النظر أين نحن أو ماذا نفعل فالتكنولوجيا حاضرة ومتوفرة، وهذا الحضور مسموح به طالما كانت خيارات استخدام هذه التكنولوجيات لا تزال فى أيدينا نحن نملكها ولا تملكنا.

فنحن نحب ما توفره لنا تلك التكنولوجيات من راحة بال طوال يومنا بل وأثناء نومنا، وفى نفس الوقت نكره الإحباط والخبرات السلبية التي تظهر أثناء استخدامها بما لا يتناسب مع توقعاتنا قبل التعامل معها! .. إن الكثير من تطبيقات تكنولوجيا المعلومات والخدمات الألكترونية والمنتجات الرقمية الحديثة هي فى حقيقتها تكنولوجيات تخدم مختلف جوانب التفاعل الإنساني فهي تعزز الثقة والمصداقية وتُدعم الروابط الوجدانية لدى المستخدمين. ومع ذلك نجد أن تلك الجوانب بمفهومهما المجرد لا يمكن تصميمها مباشرة وتطويرها باستخدام الرموز الحسابية وأكواد البرمجة داخل التكنولوجيا، ولكنها تأتى نتيجة لتطبيق مفهوم خبرة المستخدم User Experience UX وبحوث المستخدم User Research فى عملية تصميم التفاعل بين الإنسان وبين الكمبيوتر Human-Computer Interaction HCI.

فى السنوات الأولى لظهور التكنولوجيات الحديثة كانت النُظم والتطبيقات لا يتم تعديلها وتوفيقها مع احتياجات المستخدمين إلا بعد حدوث إخفاقات شديدة أثناء عملهاأو كوارث تهدد حياة الناس. أما اليوم فقد أصبحت علاقتنا مع تطبيقات الكمبيوتر والنُظم المعلوماتية ومواقع الإنترنت أكثر قربا وحميمية، وبدأت تأخذ أشكالا جديدة ودخلت إليها مفاهيم أكثر رُقياً مثل الحب والألفة والغضب والإحباط، حب الفرص التى توفرها لنا تلك التكنولوجيا والإحباط من الواقع ... واقع التفاعل معها!. فأصبحنا الأن فى أمس الحاجة إلى التكنولوجيات التى بطيعتها توفر لنا الإمكانات والطاقات المتجددة للتفاعل بدون عوائق واعتراضات، نحن فى أمس الحاجة لأن نسترد سيطرتنا على التكنولوجيا وعلى حياتنا.

إستشراف مستقبل التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر:

لقد بدأت الدراسات والبحوث حول العالم تتجه نحو استشراف مستقبل التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، وبدأت تطفو إلى السطح العديد من الاستفسارات والأسئلة عن ماهية وكيفية ونسق هذا التفاعل .. بل ومستقبله أيضا؟ وهل سنتوافق اجتماعيا واقتصاديا ونتقبل كافة الآثار السلبية والمعوقات التى يسببها لنا استخدام تلك التكنولوجيات، ونسلم بها على أنها جزء من حياتنا، ولن نعيرها أى اهتمام ولا نبحث لها عن حلول؟ أم سنقوم بتوفير وسائل سهلة وحلول ذكية يستطيع من خلالها الإنسان التعايش مع تلك التكنولوجيات الحديثة بدون خسائر ولا إحباطات؟.

فمع كل التطورات الحديثة والتقدم العلمي في مجال تكنولوجيا المعلومات نجد أن تصميم وتطوير نُظم المعلومات والخدمات الألكترونية والمنتجات الرقمية لا يلبي بأي حال من الأحوال احتياجات المستخدمين ولا يرتقى إلى مستوى توقعاتهم. فالجانب الأهم فى عملية تصميم التفاعل هو تناولها من المنظور الطبيعيى للعلاقة التى فى أساسها الإنسان هو مُبدع تلك التكنولوجيات من أجل نسجها فى أسلوب حياته، وليس من منظور أن للتكنولوجيا ضوابط محكمة وقيود لا يمكن أن تحيد عنها ولو كان ذلك في سبيل تلبية توقعات ورغبات المستخدمين!.

مفهوم خبرة المستخدم User Experience ...

ولعل أهم أسباب مشكلات التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر يبدأ بسبب اتجاه أنظارنا دوما أثناء تصميم وتطوير التكنولوجيات إلى دراسات وتطبيقات العلوم الطبيعية ومجالات تطوير برمجيات الحاسب، ولكن مع محورية الدور الذي تقوم به هذه العلوم فهي ليست الوجهة الأمثل التى يجب أن نبدأ بها البحث حول مفهوم يتعامل مع التجارب والخبرات الإنسانية .. مفهوم خبرة المستخدم User Experience.

وفي هذا الإطار لابد وأن نلقي الضوء أكثر على مفهوم خبرة المستخدم User Experience حيث يمتد تعريف هذا المصطلح ليشمل كل ما يتعلق بحالة تفاعل الإنسان -المستخدم- مع النظام المعلوماتي عبر الوقت وعلى كافة المستويات الحسية والإدراكية والتكنولوجية، سواء كان هذا النظام خدمة إلكترونية أو موقع إنترنت أو منتج رقمي، بدأً من تفاعله بصريا مع أول صفحة أو شاشة تظهر له مروراً بتواصله مع صفحة المساعدة في حالة تعرضه لمشكلة إنتهاءً بالانطباع العام الذي يكونه عن مجمل حالة التفاعل مع هذا النظام المعلوماتي.

ومن هنا نجد أن الحل الأمثل أمامنا كمتخصصين - لكي نتمكن من الوصول إلى تسوية مقبولة مع تلك التكنولوجيات - يكمن فى تغيير رؤيتنا لأسلوب تصميم التفاعل Interaction Design مع هذه التكنولوجيات التى تدق أبواب عقولنا فى أى وقت، ولتحقيق ذلك يجب أن يكون لدينا إيمان شديد بدور كل من الفن والتصميم فى المجتمع. فبمرور الوقت وبذل الجهد من أجل تحسين تصميم تلك التكنولوجيات وتطوير أساليب استخدامها يمكننا التقليل من الشعور بالإحباط والغضب اتجاهها ونقله إلى جانب الإحساس بالألفة والحب!.


أسئلة واستفسارات .. والحلول المتاحة!
فنحن كمتخصصين عندما نبد البحث فى تجربة أحد الأشخاص أثناء استخدامه تطبيق من تطبيقات الكمبيوتر فإن جَلَّ اهتمامنا ليس الاعتبارات التقنية البحتة والمصادر الأصلية للتكنولوجيا، بقدر ما يشغل بالنا - على سبيل المثال - استفسارات من نوع أخر:
- لماذا قام هذا الشخص بتلك التجربة؟
- وما هي أهدافه المرجوة؟
- وما هو شعوره أثناء عملية التفاعل؟
- ماذا تعنى له تلك الخبرة؟
- وما قيمتها اللحظية والنفعية والحياتية بالنسبة إليه، وبالنسبة لمن يحبهم؟

- وما هي الالتزامات التى استجدت فى حياته وانعكست على سلوكه نتيجة لتلك التجربة؟

فقد جاء الوقت الذي نوجه فيه إهتمامنا وشغفنا أثناء بحثنا حول مفهوم خبرة التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر إلى ماهو أشمل من تلك التطورات والمحددات التقنية ونقصد بالاهتمام هنا مجالات الفنون والعلوم السلوكية والإنسانية.

فالحلول الوقتية والمناهج التقليدية في بحوث تكنولوجيا المعلومات نجد منها ما يختزل كل تلك الخبرة الحياتية بما فيها من تساؤلات ويضعها داخل صندوق محكم من "الأفعال والاستجابات"، وحل أخر يصور لنا المستخدم على أنه "شئ" أو في أفضل الأحوال "مستقبِل سلبي" وأن المصمم والمطور هما المسيطران على العلاقة بينه وبين الموقع أو التطبيق من خلال واجهة المستخدم User Interface التي يتحكمان فيها بأدواتهم المختلفة. وفى أفضل الحالات يتم تحجيم مفهوم "خبرة المستخدم" في حل المشاكل الاعتيادية للموقع أو النظام من خلال بتطبيق القواعد التقليدية للاستعمالية وسهولة الاستخدام Usability.

إن مثل تلك المناهج لا تنصف حالة التفاعل المتبادل التى تنشأ وتتطور خلال التجربة المستمرة التى يعيشها المستخدم برفقة التكنولوجيا بجميع صورها وتطبيقاتها. فإذا أرادنا معالجة هذا القصور فلابد أن نتعامل مع هذا المفهوم - مفهوم خبرة المستخدم User Experience - على أساس أنه منهج يثرى فهمنا واستيعابنا لطبيعة التفاعل بين الإنسان والكمبيوتر، وليس على أنه مجموعة من القواعد والأسس والمعايير التقليدية التى يتم تطبيقها فى أى ظروف وتحت أى مسمى.

copyright 2015 all rights reserved for the author - حقوق الطبع والنسخ والنشر محفوظة للمؤلف 2015

27 October 2009

الخلاصة - 6 - بناء العقلية العلمية ومعوقات التفكير العلمي


بعد أن ألقينا الضوء على أهم ملامح العقلية العلمية وعلى العقبات التى تحول دون طبعها فى عقل وشخصية الفرد، استعرضنا بعض الجوانب المتعلقة بتحقيق المنهج العلمي فى التفكير، وكذلك العلاقة بين العقلية العلمية وبين اللغة. بعد ذلك تطرقنا إلى خصائص العقلية العلمية وهل هي مخلوقة أم مكتسبة، وفى النهاية قمنا باستعراض أهم العناصر الأخلاقية للعقلية العلمية.
 والخلاصة أننا نتعامل مع ما يوفره لنا العلم من تطبيقات وتكنولوجيات حديثة وفقاً لنظام معين يساعدنا على تحسين أسلوب حياتنا ويحقق لنا الاستفادة، ونغفل الآليات والمنهجيات التى كانت السبب الأصيل فى توفيرها لنا. ونحن هنا نعنى التفكير العلمي وآليات البحث العلمي وكيف يمكننا أن نستفيد منها فى التخطيط المباشر لحياتنا اليومية وعلاقتنا مع الآخرين من حولنا. ويكون هذه التخطيط ليس فقط بهدف إيجاد حلول للمشكلات التى تواجهنا فى مواقف الحياة المختلفة ولكن أيضا لتقويم المواقف والممارسات الحالية بهدف الوصول إلى طرق أكثر ملائمة فى المستقبل.
إن الحقيقة العلمية قابلة لأن تنقل إلى كل الناس الذين تتوافر لديهم القدرة العقلية على فهمها والاقتناع بها، فتصبح بمجرد ظهورها حقيقة عامة أو مشاع، متجاوزة بذلك النطاق الفردي لمكتشفها والظروف الشخصية التى ظهرت فيها، وذلك على عكس المعرفة الحدسية التى ذكرناها من قبل. فأسلوب التفكير المنهجي الذي تعتمده العقلية العلمية فى التخطيط لمستقبلها وصياغة الحلول للمشكلات التى تواجهها، يجب ألا يقف عند حدود الفرد الذي يستخدمه بل يجب وضع الآليات التى يمكن من خلالها نقل خلاصة الخبرات الحياتية داخل مجتمعنا.
إن عصرنا الراهن هو بلا شك عصر العلم. والعالم اليوم لم يعد يحترم سوى التفكير العلمي الذي أظهر زيف كل المعتقدات والتصورات القديمة، وحطم قدسية كل المسلمات والبديهيات العتيقة والبالية. إن أهم وأعظم سلاح فى العالم اليوم هو سلاح العلم والحقائق والقيم العلمية، ومن هنا يجب أن نتعامل مع حقيقة أن عالمنا اليوم أصبح يعتمد على العلم ويؤمن بالعلم كما لم يؤمن به فى كل تاريخه السابق.


* القراءات والمراجع

13 October 2009

العناصر الأخلاقية للعقلية العلمية - 5 - (بناء العقلية العلمية ومعوقات التفكير العلمي)

لا يمكننا أن نتصور العناء والجهد والمكابدة التى يعانيها الإنسان صاحب العقلية العلمية الذي لديه روح ذات طابع أخلاقي تدفعه إلى أن يتنازل عن النمط السهل المريح الذي تسير عليه حياة الناس، لكي يحيا حياة مبدأها التخطيط العلمي. ويلخص الدكتور فؤاد زكريا القيمة الأخلاقية العليا التى تتميز بها العقلية العلمية فى كلمة واحدة هي "الموضوعية" وهى كلمة بسيطة شديدة التعقيد، سنحاول فيما يلي تحليل معانيها وجوانبها المختلفة بهدف إلقاء الضوء على العناصر الأخلاقية للعقلية العلمية:

الروح النقدية
ألا يتأثر صاحب العقلية العلمية بالمسلمات الموجودة أو الشائعة بل يجب عليه أن يعاود اختبارها وإخضاعها للفحص العلمي الدقيق، وأن ينتقد نفسه ويتقبل النقد من الآخرين. وألا ينقاد وراء سُلطة القِدم أو الانتشار أو الشهرة، ولا يقبل إلا ما يبدو له على أسس علمية وعقلية سليمة. وعندما أكدَت فكرة "تحدى البديهيات والمسلمات" قيمتها فى مجال العلم، شجعت الكثيرين على نقلها إلى مجال الفكر الفلسفي والاجتماعي والنفسي والسياسي، وأصبحت هذه الفكرة من أهم السمات المميزة لعصرنا الحاضر.

النزاهة
تتبدى نزاهة صاحب العقلية العلمية أوضح ما تكون فى استبعاده للعوامل الذاتية فى حكمه على الأمور، فينبغي عليه أن يطرح مصالحه وميوله واتجاهاته الشخصية جانبا وان يُعالج الأمور بتجرد تام. فهو لا يلجأ إلى طُرق الإقناع المألوفة التى نلجأ إليها كثيرا فى معاملاتنا اليومية، والتى تحفل بعناصر ذاتية لا صلة لها بالتفكير العلمي، مثل الإقناع عن طريق البلاغة اللفظية أو استخدام اللغة الانفعالية المؤثرة أو التلاعب بعواطف الناس أو إغرائهم واستثارة ميولهم ومصالحهم. فالعلم يربى العقلية على أن تترك انفعالاتها وتفضيلاتها الشخصية جانبا، وأن تنظر إلى الأمور نظرة منزهة عن كل غرض.

الحياد
نحن نصف الشخص الموضوعي بأنه محايد، ونعنى بذلك انه لا ينحاز إلى طرف من أطراف النزاع الفكري أو الخلاف العلمي. فصاحب العقلية العلمية يجب أن يقف على الحياد بمعنى أن يعطى كل رأى من الآراء المتعارضة حقه الكامل فى التعبير عن نفسه، ويزن كل الحجج بميزان من يخلو من الغرض أو التحيز. وعندما ينحاز صاحب العقلية العلمية آخر الأمر فلابد أن يكون انحيازه هذا مبنياً على تقدير موضوعي بحت لإيجابيات الحجج وسلبياتها، ومدى ملائمتها للإطار العام للموضوع أو القضية التى هو بصدد مناقشتها.

* القراءات والمراجع

06 October 2009

سمات وخصائص العقلية العلمية - 4 - (بناء العقلية العلمية ومعوقات التفكير العلمي)

يولد الإنسان وقد يحمل القابلية التى تؤهله لبناء العقلية العلمية ولكنه لا يولد ولديه خصائص العقلية العلمية فخصائص الشئ تأتى معه وليس قبله. والعقلية العلمية عقلية منضبطة، راشدة، دقيقة، متسائلة، ناقدة، غير مكبلة بقيود دوجماطيقية وهذه الصفات لا تأتى بالفطرة ولكنها تتكون بالصقل والتدريب فالعقلية العلمية هي معرفة مكتسبة. فكم من الأشخاص الذين ولدوا ولديهم القابلية على تكوين العقلية العلمية ولكن لم يتمكنوا من تنمية تلك القدرة العقلية، وفى المقابل نجد الأشخاص الذين لم تكن لديهم تلك القابلية ولكنهم اكتسبوها سواء بالتعلم أو من البيئة المحيطة وقاموا بتمهيدها لتقبل العقلية العلمية. وأصحاب العقلية العلمية على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وأقطارهم، تنتظمهم صفات وأخلاقيات من طراز رفيع بعيدة كل البعد عما يتردد على منابر العلم، ولكنها تؤدى إلى أسلوب حياة فريد ينتظم المجتمعات العلمية ويجعلها تنظر إلى الحياة ومشكلاتها نظرة بنَّاءة فعالة ويميز المجموعات المتقدمة التى تحترم صفات وأخلاقيات العقلية العلمية وتنشدها فى جميع أفراد المجتمع، إنها مُثل وقيم تفتقر إليها المجموعات المتخلفة.

وفيما يلي عرض لبعض أهم خصائص العقلية العلمية:

من الخصائص البارزة للإنسان العصري تلك الحالة العقلية أو ذلك الاستعداد النفسي لقبول التغيير والدخول فى تجارب جديدة والانفتاح على الآخرين أفراد ومجتمعات. على عكس الإنسان صاحب الفكر التقليدي الذي لا يقبل الأفكار الجديدة ويرفض الدخول فى تجارب ونشاطات قد تصل به إلى نتائج مغايرة لما درج عليه فى حياته الخاصة والاجتماعية. أنها تلك الحالة العقلية أو النفسية، أو ذلك الاستعداد الداخلي للانفتاح على فكرة أننا نعيش فى عالم متطور.

ومن خصائص العقلية العلمية أن صاحبها لا تهزه الشعارات والعبارات المنمقة الرنانة، وأنه لا يقبل فكرة إلا إذا قام دليل على صحتها.

كما أن صاحب العقلية العلمية ينظر إلى المعارف الإنسانية نظرة ديناميكية متطورة فيبقى على الدوام حذرا يراجع مواطئ أقدامه، ينظر حواليه، ويعمل على تطوير حياته وخبراته ومعارفه، دائما إلى الأفضل. انه دائما ينظر بعين الناقد الذي يتطلع إلى ماهو أمثل وأصلح وأكمل. إنه يعلم حق العلم أن من حقائق اليوم ما كان فى الماضي القريب يبدو أحلاما بعيدة التحقيق، ويوقن كل اليقين أن من أحلام الحاضر ما قد يصير فى مقبل الأيام حقائق مثبتة، وان من حقائقه المثبتة ما قد يتبدى أن إثباته لا يقوم على أساس متين.

وصاحب العقلية العلمية بشر قد تأخذه نشوة أمام اكتشاف جديد أو ابتكار. ولكن علمه يكبح نشوته فلا يسمح لها أن تتحول إلى تعصب أو غرور، بل يرحب بكل فكرة تُعدل اكتشافه أو ابتكاره. والعلمي يعتز بما صنع العقل الإنساني ويعتبره أغزر منتجات الحضارة الإنسانية، وأكثرها نموا واطراداً وفائدة، وأولاها بالاعتبار. فهو يرحب بالأفكار الجديدة ويتخذها توطئة لاستشراف آفاق أكثر جدة أو لتحقيق ابتكار جديد.

ومن الخصائص البارزة ومعالم الحداثة الأساسية التى يتميز بها الإنسان العصري، اعتماد التفكير العلمي ورفض إعطاء خصائص مقدسة وقدرات غيبية للأشياء والأشخاص فى عالم اليوم. فعصر المعجزات قد مضى وانقضى والإنسان المحدث يدرك أنه يواجه مصيره بنفسه وأن عالمه هو عالم معقول مُقنن تحكمه أنظمة يمكنه أن يكتشفها ويتعامل معها ويضعها فى خدمته وخدمة الآخرين من حوله.


* القراءات والمراجع

29 September 2009

القدرة على تحقيق المنهج العلمي فى التفكير - 3 - (بناء العقلية العلمية ومعوقات التفكير العلمي)

لا يمكن تحقيق المنهج العلمي في التفكير على يد العلم وحده. فحين نتحدث عن طريقة توجيه حياة الإنسان وتنظيم مجتمعه، لابد وأن نخوض مجال القيم والغايات الإنسانية، وهو مجال يهم البشر جميعا، لا العلماء وحدهم. وفى مثل هذا المجال يكون من الصعب على العالِم أن يقدم لنا توجيها كاملاً، لأن تكوينه يحول بينه وبين التعمق فى أمور معنوية شديدة العمومية كتحديد الأهداف التى ينبغي أن يستغل العلم من أجلها. ففي عصر التخصص المتزايد، يصعب أن نجد العالم الذي يستطيع تخصيص الوقت والجهد الكافي للتفكير فى الأوضاع الإنسانية ككل. إن تمايز الأمم فى اتجاهاتها الفكرية، لا يتضمن إنكارا للتجانس بين البشر جميعا فى فطرة العقل، فالعقل لا اختلاف فى طبيعته بين إنسان وإنسان، ولكن التجانس يكون فى بنية العقل وإطار فاعليته وآلياته والقوانين التى تحكم عمله، ولا شأن له بالمضمون الفكري الذي يختلف بين الناس ويملأ تلك البنية وهذا الإطار، ولولا ذلك الاختلاف والتنوع فى المضمون الفكري، لما استطعنا أن نميز الخطوط الفكرية عند أمة كالأمة العربية، ومن تلك الخطوط عند أمة أخرى كالفرنسية والهندية.

تعريف العقلية العلمية
نود هنا الإشارة إلى أساليب التفكير المنظم التى يستخدمها الناس فى إدارة شئون حياتهم وفى نظرتهم للأمور وطرق معالجة المشكلات وفى علاقتهم مع الناس ومع العالم المحيط بهم. كل هذه الأساليب هي "العقلية العلمية" التى يمكن أن يتصف بها الإنسان العادي، والتى يمكن أن تتوافر لدى شخص لم يكتسب تدريباً خاصاً فى أى فرع بعينه من فروع العلم، كما يمكن أن يفتقر إليها أشخاص توافرت لهم من المعارف العلمية حظ كبير، واعترف بهم المجتمع بشهاداته الرسمية. فالعقلية العلمية هي السمة المميزة للمجتمعات التى صار للعلم فيها تراث يترك بصماته على عقول الناس. واليوم لا يملك أى شعب يريد أن يجد له مكانا على خريطة العالم المعاصر إلا أن يحترم أسلوب التفكير العلمي ويأخذ به. وعلى مستوى المجتمعات البشرية، أصبحت النظرة العلمية ضرورة لا غناء عنها فى أى مجتمع معاصر لا يود أن يعيش فى الظل بين سائر المجتمعات.

العقلية العلمية واللغة
يحرص صاحب العقلية العلمية على أن تبقى اللغة أداة لحمل أفكاره ولا يسمح بأن تصير هذه اللغة قالبا تتقولب فيه الأفكار تبعا لشكله وحجمه، فهو لا يسمح للأسلوب الشكلي بأن يطغى على الجوهر. إن طريق التحول من التخلف إلى التحضر هو أن ننتقل من "معرفة" قوامها الكلام، إلى "معرفة" قوامها الآلة التى تصنع. والمعرفة هي موضع الزلل والتعثر، لأننا نطلقها على ضروب كثيرة من اللغو، ولو استخدمناها استخداما دالاً، لقصرناها على المعرفة العلمية العملية. إن الطريقة العلمية فى دراسة الحقائق الواقعية وفى استعمال كلمات مجردة عن الانفعال ومُمَحصة بالنقد هي الطريقة المثالية لتصبح تلك الكلمات أداة فعالة صالحة للتعبير عن تلك الحقائق وعن فهمها لكي نبرهن على فائدتها وقيمتها لنا.

* القراءات والمراجع