22 September 2009

معوقات بناء العقلية العلمية - 2 - (بناء العقلية العلمية ومعوقاتالتفكيرالعلمي)

لتحديد أسباب الحيود عن المنهج العلمي في التفكير وفى إدارة شئون الحياة في مختلف الميادين، لابد لنا من وضع أيدينا على المعوقات والعقبات التي تقف في طريق التفكير العلمي، ثم نتجه بعد ذلك معرفة سمات وخصائص التفكير العلمي التي تساهم في تشكيل "العقلية العلمية".
إن الطريق أو المنهج الذي يؤدى إلى إعداد الفرد وبناء بنية فكرية كلية وعقلية علمية ثابتة مازال بُعداً غائباً ومفقوداً فى نظامنا المعرفي وبالتالي التربوي، وهو ما يؤدى إلى سيادة المعرفة الحسية وتأكيد نمط العلاقات الشخصية، وبالتالي يؤدى إلى وجود عدة نتائج تؤثر بشدة على تكوين العقلية العلمية سنتعرض إليها لاحقا. أما الأن فسنلقى الضوء على بعض العقبات الأساسية التى تقف فى طريق التفكير العلمي وتحول دون الاستفادة منه فى تحقيق الاتصال المباشر بين الإنسان والعالم من حوله.

الأسطورة أو الخرافة
أولى تلك العقبات هي سيادة "الأسطورة أو الخرافة" في عقلية الإنسان والتي ظَلت طوال الجزء الأكبر من تاريخ البشرية تحتل المكان الذي يشغله العلم في وقتنا الحالي، وترجع أسباب انتشار الفكر الأسطوري إلى أنه يقدم للإنسان تفسير متكامل للعالم من حوله بحيث يبدو هذا العالم متلائما مع غاياته محققاً أمانيه، وهذا لا يعنى أنه بظهور العلم قد اختفى الإيمان بمثل هذه الظواهر، فالشخص الذي نال من التعليم حظاً قد يظل متمسكا بالفكر الخرافي في كثير من جوانب حياته التي لا يمسها العلم مباشرة، فاتباعه للمنهج العلمي في دراسته أو عمله لا يكون عاصما له من الإيمان بالخرافات في بعض جوانب حياته.

الخضوع للسلطة
بعد ذلك تأتى عقبة "الخضوع للسلطة" فالسلطة هي مصدر المعرفة الذي لا يناقش، والذي نخضع له بناء على إيماننا بأن رأيه هو الكلمة النهائية، وبأن معرفته تسمو على معرفتنا. وفى هذه الحالة يكون انتقال المعرفة "هبوطا" على الفرد الذي يتصور نفسه دائما كطرف سلبي قابل للمعرفة في مقابل طرف آخر معطى للمعرفة دائما، في علاقة مستمرة معترف بها وتحظى بالقبول من الطرفين وهى علاقة تبادلية على مستوى الأفراد ولكن تبقى دائما في اتجاه هابط من أعلى إلى أسفل. والخضوع للسلطة أسلوب مريح في حل المشكلات ولكنه يَنُم عن العجز والافتقار إلى الروح الخلاقة. فالعصور التي كانت السلطة فيها هي المرجع الأخير في شئون العلم والفكر كانت عصورا متخلفة خلت من كل إبداع.
إن وجود قدر معين من السلطة، في الأسرة مثلا هو أمر مرغوب فيه. ولكن الخضوع للسلطة بالقدر الزائد عما نحتاجه - كما يتضح في الأمثلة التالية - هو الحال المستهجن، وينطبق نموذج الهبوط المعرفي على نماذج متعددة من العلاقات الموجودة في المجتمع، على سبيل المثال في التعليم نجد العلاقة الثنائية بين الأستاذ (التلقين) وهو في وضع مُعطي موجَب للمعرفة دائما في مقابل التلميذ (الحفظ) وهو مستقبِل سلبي للمعرفة دائما، ويؤدى هذا النوع من التعليم إلى ما يطلق عليه نمط التفكير التقليدي الذي يتعارض مع نمط التفكير الإبداعي. ويمكننا استعراض نموذج أخر للخضوع للسلطة يظهر جليا في العلاقات الإدارية البيروقراطية المنتشرة في المجتمع بين الرئيس (القرارات) الذي يجسد بصوره ورموزه المختلفة المقابل الموضوعي المفروض لسلطة العقل الفعَّال وبين المرؤوسين (التنفيذ)، ومع أهمية تلك العلاقات الإدارية إلا أن افتقادها إلى آلية النقاش والتصحيح الذاتي في بعض الأحيان يجعلها من النماذج الصارخة لنموذج الخضوع للسلطة.
إن الركون إلى "سُلطة" فكرية نستمد منها الأسانيد، وتكون عادة متمثلة في نصوص وضعية محفوظة في الكتب، وأحيانا أخرى تتمثل في أقوال يتبادلها الناس، هذا الوضع يمجد سلطان الماضي على الحاضر. فيصبح البُرهان الذي لا يرد، هو أن نَسوق "الشواهد" من سجل الأقدمين، وبذلك تنحصر قوة الإبداع الفكري في القدرة على إيجاد السند من القول الموروث!. إن التبعية الفكرية هي نوع من الأَسْر ونحن في أمَس الحاجة إلى التحرر من هذا الأسر والتبعية من قيود الماضي ومحدوديته. ومن أخطاء التبعية الفكرية، افتقاد الوعي الديني، فالدين يزيد الحيوية والشعور بالعزة، فلا إله إلا الله ينتفي معها تقديس إنسان.

إنكار قدرة العقل
ومن العقبات الأخرى التي تمثل عائق أمام التفكير العلمي هي "إنكار قدرة العقل" والتي تظهر جَلية عندما يعتمد الإنسان على قوة أخرى غير قوة العقل قد يسميها الخيال أو الحدس ويؤمن بأنها توجهه في مجالات مثل الفن والشعر والأدب لان المنطق العقلي الدقيق يعجز عن الأخذ بأيدينا حينما نكون بصدد إبداع عمل فني أو أدبي. ويختلف الحدس عن غيره من طرق المعرفة الأخرى بأنه معرفة تلقائية تنتقل بدون وسيط مباشرة إلى "لُب" الموضوع، والمعرفة الحدسية في جوهرها معرفة "فردية" تتاح لشخص بعينه عن طريق "تجربة" من نوع خاص يصعب نقلها عن طريق الوصف إلى الآخرين، ولا يمكن تعميميها على الآخرين. وتعتبر المعرفة الحدسية من أشهر القوى التي حورب بها العلم-على غير حق- في عصور مختلفة وعلى أنحاء متباينة. ونحن هنا لسنا دعاة جفاء ولا استغناء عن عنصر التجارب الشخصية والعلاقات الاجتماعية التى تعطى للحياة المتعة والدفء ولا أن تقتصر الحياة على عنصر المعرفة العقلية العلمية، ولكن التوازن بين كل من المعرفة العقلية والمعرفة الحدسية واستخدام كل فرع في مجالاته يعطى الإنسان القوة والحكمة.

التعصب
يأتي بعد ذلك "التعصب" وهو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة وبأن غيره يفتقرون إليها، وهو يتخذ شكل تحمس زائد للرأي الشخصي ويتضمن في ذات الوقت بُعداً أخر حيث يُمثل في الوقت نفسه موقفاً معيناً من الآخرين يُنكر فضائلهم ويهاجمها. فالمتعصب لا يفكر فيما يتعصب له بل يقبله على ما هو عليه فحسب. وهنا تتمثل خطورة التعصب من حيث هو عقبة في وجه التفكير العلمي فيلغى التفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد، ويشجع قيم الخضوع والطاعة والاندماج السلبي.

وبالعودة إلى النتائج المترتبة على انتشار العقبات أمام التفكير العلمي وسيادة التفكير البدائي في مجتمعاتنا تتولد عدة شواهد نجملها في الأتي:
خضوع العلاقات بين الأفراد إلى كثرة التغيير والتبديل، وينطبق ذلك على المؤسسات العلمية أو التي تعتمد المنهج العلمي في وضع رؤيتها واستراتيجياتها حيث يتميز وجودها بعدم الاستقرار. كما أن تراكم المعارف الجزئية لا يؤدى إلى تغير كيفي الذي يؤدى بدوره إلى الانتقال إلى المعرفة العقلية. ولكن ما يحدث هو وجود المعارف والخبرات الجزئية بجانب بعضها البعض، سواء على المستوى الشخصي أو المؤسسي، فكل معرفة توجد مستقلة بذاتها مما يؤدى إلى سيادة ظاهرة التكرار. بالإضافة إلى أن المعرف الجزئية لا تخضع لجدل الفكر وقوانينه، فتحت سيادة الأحكام الجزئية توجد الأشياء بجانب بعضها البعض برغم تناقضها أو أدائها لنفس الوظيفة، وينشأ عن ذلك ظاهرة أخرى سلبية وهى الازدواجية.


* القراءات والمراجع

No comments: