بعد انهيار المثل الأعلى القديم للمعرفة وهو "العلم لأجل العلم"، شغل بال العلماء مفهوم جديد يدور حول فهم الطبيعة والسعي إلى التحكم فيها والسيطرة عليها، بعد ذلك تحولت تلك المساعي ووجهت دفة العلم ليقتحم العقل ميادين المجتمعات البشرية ويسبر أغوار النفس الإنسانية، إيذانا ببدء عهد جديد يقترب فيه العلم من صميم المشكلات العملية واليومية للإنسان. ونحن هنا لا ننظر إلى السهولة والتقريب التى قدمها العلم للإنسان من خلال توفير أدوات واختراعات جديدة مستحدثة تسهل له حياته، ولكن هدفنا يتجه إلى إمكانية استعارة الآلية الفكرية التى يقوم عليها البحث العلمي وان يستخدمها الإنسان لحل مشكلاته اليومية والتخطيط لمستقبله.
وإذا نظرنا إلى طريقة تفكير الإنسان العادي نحو أهدافه العامة فى مجتمعاتنا العربية وإلى أسلوبه فى تنظيم حياته ومجتمعه نجد أن هذا التفكير لا يزال يمر بالمرحلة "قبل العلمية"، والدليل على ذلك أنه يسهل علينا تمييز عقلية العالم أو العلمي فى بلادنا من عقلية الأديب أو الفيلسوف ولكن الأمر ليس بهذه السهولة فى بلاد العالم المتقدم، لأن الأخذ بالعلم وتبنى العقلية العلمية صارا فى تلك البلاد صبغة التفكير لدى رجل الشارع. ويوضح الدكتور عبد الرحمن التليلى هذه النقطة فيقول "تنطلق مؤلفات ابن رشد النقدية، من فكرة واحدة وهى أن تمزقا حدث فى أمة المسلمين، وأنه يرجع إلى فوضى حدثت فى الأذهان، فينبغى وضع حد لها، أى الرجوع إلى بنية فكرية ثابتة". ويُرجع ابن رشد السبب الرئيسي وراء تمزق وحدة المجتمع الواحد إلى الخلافات التى تنشأ نتيجة للانسياق وراء الأحكام الشخصية وإهمال المعرفة بالكليات التى تعتبر ضرورة وتفرضها الحاجة إلى تنظيم المجتمعات.
ويفرق ابن رشد بين نوعين من المعرفة ينشأ عنهما نمطان من النتائج العملية فى الحياة الاجتماعية، النوع الأول هو المعرفة الجزئية أى الحسية والتى ينشأ عنها ذلك النمط من الأفعال القائم على شدة الاختلافات فى الرأي والأحكام فى نواحي النشاط المختلفة، وهذا النوع يفسر ضعف بنية المجتمعات وانهيارها، ويمكننا أن نطلق عليه نمط "العلاقات الشخصية" الذي يعتبر سبب رئيسي فى افتقاد ظاهرة التعاون والعمل الجماعي فى المجتمعات وخاصة فى مجال البحث العلمي ومراكز البحوث. وفى المقابل فان المعرفة بالكليات تعتمد على أحكام العقل وتجريد المحسوسات، وينشأ عنها ذلك النمط من الأفعال القائم على تقارب الآراء وانسجام الأحكام وهو الذي يفسر قوة المجتمعات واستقرارها ويطلق عليه أيضا نمط "العلاقات القانونية" الذي يعتبر من أهم مستلزمات العمل الجماعي، حيث يوجد اتفاق ومنهج عام يضبط حكمنا على الأمور والمواقف ككل.
فالمشكلة إذا لا تكمن فى استخدام العقل أو عدم استخدامه وإنما فى نوع العقل الذي يستخدم هل هو عقل بدائي أم عقل علمي. فالعلم يعتبر من أهم العوامل الأساسية والعناصر الفاعلة فى تشكيل معالم المجتمع الحديث. والعلم الذي نقصده هنا ليس أى ضرب من ضروب المعرفة بل هو تلك المعرفة القائمة على التجربة والوقائع المادية الملموسة. فاستمرار عملية الحراك والتفاعل المجتمعي القائمة على منهجية العلم وما يترتب عليها من تغيير دائم ونتائج متجددة تنعكس على الحياة الاجتماعية بأسرها.
إن الثورة الفكرية التى لا مناص من حدوثها ليعتدل الأمر ويتوازن، هي أن نغير من "المنهج" الذي ننظر به إلى الدنيا من حولنا بحيث يصبح ذلك المنهج متسقاً مع السطح الحضاري الذي نقلنا منه جوانب كثيرة عن الغرب. والمنهج العلمي بصفاته وأخلاقياته لا يختص بالعلم وحده بل هو روح العصر الذي نعيش فيه، فهو أسلوب الحياة الرشيدة وميزة النظرة المتحضرة الديناميكية المتطورة التى تضيق بالرتابة وتطلب الجديد والتجديد بعيدا عن النظرة المدرسية المتحجرة.
ولما كان العلم سبيلا لتحسين قدرتنا على التنبؤ بما يستهدف بقاء الحياة البشرية وسموها، فإننا لا نخطئ إذا نظرنا إلى المنهج العلمي على انه مجموعة من النصائح المعرفية والسلوكية التى تضمن الغلبة والنصر فى معركة البقاء، ولكنها نصائح تصاغ بلغة العلم، لا بلغة الحديث العادي وتكون مستمدة من الخبرة الإنسانية.
وسواء كان العقل فعَّالاً يقوم بصياغة المعطيات الحسية داخل القوالب المفطورة فيه أو مُتلقياً للمعطيات الحسية التى تتشكل بشكل آلي ومن تلقاء نفسها، فإنه فى جميع الأحوال يعتبر أداة كافية لإدراك الواقع. وتستمر العمليات الإدراكية التى يقوم بها العقل على مستويات مختلفة حتى يصل إلى ما يشبه الحقيقة الكلية وإلى قوانين الواقع ذات الطابع العام القابلة للتطبيق والاختيار التجريبي. ومن خلال هذه المعرفة وتراكمها عبر الأجيال يمكن للإنسان التحكم فى الواقع والهيمنة عليه وتوظيفه والتوصل إلى نُظم معرفية وأخلاقية وسياسية رشيدة، وتتزايد مقدرته على التمييز بين ماهو رشيد وغير رشيد، وبين ماهو حقيقي وزائف، وبذلك يحقق الإنسان لنفسه السعادة الأرضية. وهذه الرؤية للواقع تُولد فى نفس صاحبها تفاؤلا عميقاً وتُحرر الإنسان من مخاوفه وتضعه فى مركز الكون، فالعقل هو بديل لكافة النظم السُلطوية والأسطورية، وتسعى تلك الرؤية لأن يصبح لكل إنسان مقدرته العقلية وإبداعه الخاص وطريقته المُميَزة للوصول إلى المعرفة ولكنها معرفة لا تتناقض مع المعرفة التى يتوصل إليها الآخرون.
ولا يمكننا أن نقدم العقلية العلمية على أنها مجموعة من الحلول أو الأفكار الجيدة التى يؤدى تبنيها إلى صلاح حياته، فيجب أن نفرق بين الأفكار وبين المنهج الفكري الذي يفترض وجود منظومة مترابطة من الأفكار والحلول والآليات بينها نموذج معرفي واحد، فحينما يتم نقل الحلول دون إدراك للنموذج الكامن وراءها، فإنه يتم تجاهل أبعادها المعرفية الكلية النهائية، ومن ثم يختفي المنظور النقدي وتتعايش الأفكار المتناقضة جنباً إلى جنب ولا يمكن التمييز بين الجوهري منها والهامشي.
القراءات والمراجع:
· أحمد عبد الجواد - إشكالية البحث العلمي والتكنولوجيا فى الوطن العربي - دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع - 2000
· عبد الرحمن التليلى - ابن رشد الفيلسوف العالم - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - تونس - 1998.
· زكى نجيب محمود - تجديد الفكر العربي - دار الشروق - 1971.
· زكى نجيب محمود - فى مفترق الطرق - الطبعة الثانية - دار الشروق - 1993.
· زكى نجيب محمود - قصة عقل - الطبعة الثانية - دار الشروق - 1988.
· فؤاد زكريا - التفكير العلمي - عالم المعرفة، عدد رقم 3 - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت - 1978.
· معن زيادة - معالم على طريق تحديث الفكر العربي - عالم المعرفة، عدد رقم 115 - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت - 1987.
· عبد الوهاب المسيرى - فكر حركة الاستنارة وتناقضاته - نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع - 1998.
· نعمات أحمد فؤاد - شخصية مصر - الطبعة الخامسة - الهيئة المصرية العامة للكتاب - 1989.
· أحمد سليم سعيدان - مقدمة لتاريخ الفكر العلمي فى الإسلام - عالم المعرفة، عدد رقم 131 - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت - 1988.
No comments:
Post a Comment