لا يمكن تحقيق المنهج العلمي في التفكير على يد العلم وحده. فحين نتحدث عن طريقة توجيه حياة الإنسان وتنظيم مجتمعه، لابد وأن نخوض مجال القيم والغايات الإنسانية، وهو مجال يهم البشر جميعا، لا العلماء وحدهم. وفى مثل هذا المجال يكون من الصعب على العالِم أن يقدم لنا توجيها كاملاً، لأن تكوينه يحول بينه وبين التعمق فى أمور معنوية شديدة العمومية كتحديد الأهداف التى ينبغي أن يستغل العلم من أجلها. ففي عصر التخصص المتزايد، يصعب أن نجد العالم الذي يستطيع تخصيص الوقت والجهد الكافي للتفكير فى الأوضاع الإنسانية ككل. إن تمايز الأمم فى اتجاهاتها الفكرية، لا يتضمن إنكارا للتجانس بين البشر جميعا فى فطرة العقل، فالعقل لا اختلاف فى طبيعته بين إنسان وإنسان، ولكن التجانس يكون فى بنية العقل وإطار فاعليته وآلياته والقوانين التى تحكم عمله، ولا شأن له بالمضمون الفكري الذي يختلف بين الناس ويملأ تلك البنية وهذا الإطار، ولولا ذلك الاختلاف والتنوع فى المضمون الفكري، لما استطعنا أن نميز الخطوط الفكرية عند أمة كالأمة العربية، ومن تلك الخطوط عند أمة أخرى كالفرنسية والهندية.
تعريف العقلية العلمية
نود هنا الإشارة إلى أساليب التفكير المنظم التى يستخدمها الناس فى إدارة شئون حياتهم وفى نظرتهم للأمور وطرق معالجة المشكلات وفى علاقتهم مع الناس ومع العالم المحيط بهم. كل هذه الأساليب هي "العقلية العلمية" التى يمكن أن يتصف بها الإنسان العادي، والتى يمكن أن تتوافر لدى شخص لم يكتسب تدريباً خاصاً فى أى فرع بعينه من فروع العلم، كما يمكن أن يفتقر إليها أشخاص توافرت لهم من المعارف العلمية حظ كبير، واعترف بهم المجتمع بشهاداته الرسمية. فالعقلية العلمية هي السمة المميزة للمجتمعات التى صار للعلم فيها تراث يترك بصماته على عقول الناس. واليوم لا يملك أى شعب يريد أن يجد له مكانا على خريطة العالم المعاصر إلا أن يحترم أسلوب التفكير العلمي ويأخذ به. وعلى مستوى المجتمعات البشرية، أصبحت النظرة العلمية ضرورة لا غناء عنها فى أى مجتمع معاصر لا يود أن يعيش فى الظل بين سائر المجتمعات.
العقلية العلمية واللغة
يحرص صاحب العقلية العلمية على أن تبقى اللغة أداة لحمل أفكاره ولا يسمح بأن تصير هذه اللغة قالبا تتقولب فيه الأفكار تبعا لشكله وحجمه، فهو لا يسمح للأسلوب الشكلي بأن يطغى على الجوهر. إن طريق التحول من التخلف إلى التحضر هو أن ننتقل من "معرفة" قوامها الكلام، إلى "معرفة" قوامها الآلة التى تصنع. والمعرفة هي موضع الزلل والتعثر، لأننا نطلقها على ضروب كثيرة من اللغو، ولو استخدمناها استخداما دالاً، لقصرناها على المعرفة العلمية العملية. إن الطريقة العلمية فى دراسة الحقائق الواقعية وفى استعمال كلمات مجردة عن الانفعال ومُمَحصة بالنقد هي الطريقة المثالية لتصبح تلك الكلمات أداة فعالة صالحة للتعبير عن تلك الحقائق وعن فهمها لكي نبرهن على فائدتها وقيمتها لنا.
* القراءات والمراجع
No comments:
Post a Comment