يولد الإنسان وقد يحمل القابلية التى تؤهله لبناء العقلية العلمية ولكنه لا يولد ولديه خصائص العقلية العلمية فخصائص الشئ تأتى معه وليس قبله. والعقلية العلمية عقلية منضبطة، راشدة، دقيقة، متسائلة، ناقدة، غير مكبلة بقيود دوجماطيقية وهذه الصفات لا تأتى بالفطرة ولكنها تتكون بالصقل والتدريب فالعقلية العلمية هي معرفة مكتسبة. فكم من الأشخاص الذين ولدوا ولديهم القابلية على تكوين العقلية العلمية ولكن لم يتمكنوا من تنمية تلك القدرة العقلية، وفى المقابل نجد الأشخاص الذين لم تكن لديهم تلك القابلية ولكنهم اكتسبوها سواء بالتعلم أو من البيئة المحيطة وقاموا بتمهيدها لتقبل العقلية العلمية. وأصحاب العقلية العلمية على اختلاف لغاتهم وأجناسهم وأقطارهم، تنتظمهم صفات وأخلاقيات من طراز رفيع بعيدة كل البعد عما يتردد على منابر العلم، ولكنها تؤدى إلى أسلوب حياة فريد ينتظم المجتمعات العلمية ويجعلها تنظر إلى الحياة ومشكلاتها نظرة بنَّاءة فعالة ويميز المجموعات المتقدمة التى تحترم صفات وأخلاقيات العقلية العلمية وتنشدها فى جميع أفراد المجتمع، إنها مُثل وقيم تفتقر إليها المجموعات المتخلفة.
وفيما يلي عرض لبعض أهم خصائص العقلية العلمية:
من الخصائص البارزة للإنسان العصري تلك الحالة العقلية أو ذلك الاستعداد النفسي لقبول التغيير والدخول فى تجارب جديدة والانفتاح على الآخرين أفراد ومجتمعات. على عكس الإنسان صاحب الفكر التقليدي الذي لا يقبل الأفكار الجديدة ويرفض الدخول فى تجارب ونشاطات قد تصل به إلى نتائج مغايرة لما درج عليه فى حياته الخاصة والاجتماعية. أنها تلك الحالة العقلية أو النفسية، أو ذلك الاستعداد الداخلي للانفتاح على فكرة أننا نعيش فى عالم متطور.
ومن خصائص العقلية العلمية أن صاحبها لا تهزه الشعارات والعبارات المنمقة الرنانة، وأنه لا يقبل فكرة إلا إذا قام دليل على صحتها.
كما أن صاحب العقلية العلمية ينظر إلى المعارف الإنسانية نظرة ديناميكية متطورة فيبقى على الدوام حذرا يراجع مواطئ أقدامه، ينظر حواليه، ويعمل على تطوير حياته وخبراته ومعارفه، دائما إلى الأفضل. انه دائما ينظر بعين الناقد الذي يتطلع إلى ماهو أمثل وأصلح وأكمل. إنه يعلم حق العلم أن من حقائق اليوم ما كان فى الماضي القريب يبدو أحلاما بعيدة التحقيق، ويوقن كل اليقين أن من أحلام الحاضر ما قد يصير فى مقبل الأيام حقائق مثبتة، وان من حقائقه المثبتة ما قد يتبدى أن إثباته لا يقوم على أساس متين.
وصاحب العقلية العلمية بشر قد تأخذه نشوة أمام اكتشاف جديد أو ابتكار. ولكن علمه يكبح نشوته فلا يسمح لها أن تتحول إلى تعصب أو غرور، بل يرحب بكل فكرة تُعدل اكتشافه أو ابتكاره. والعلمي يعتز بما صنع العقل الإنساني ويعتبره أغزر منتجات الحضارة الإنسانية، وأكثرها نموا واطراداً وفائدة، وأولاها بالاعتبار. فهو يرحب بالأفكار الجديدة ويتخذها توطئة لاستشراف آفاق أكثر جدة أو لتحقيق ابتكار جديد.
ومن الخصائص البارزة ومعالم الحداثة الأساسية التى يتميز بها الإنسان العصري، اعتماد التفكير العلمي ورفض إعطاء خصائص مقدسة وقدرات غيبية للأشياء والأشخاص فى عالم اليوم. فعصر المعجزات قد مضى وانقضى والإنسان المحدث يدرك أنه يواجه مصيره بنفسه وأن عالمه هو عالم معقول مُقنن تحكمه أنظمة يمكنه أن يكتشفها ويتعامل معها ويضعها فى خدمته وخدمة الآخرين من حوله.
* القراءات والمراجع
No comments:
Post a Comment